فخر الدين الرازي
264
المطالب العالية من العلم الإلهي
--> والمعصية والخطية ، ولكنه لن يبرئ إبراء » [ خروج 34 : 6 . 7 ] . 2 - وفي الإنجيل نجد مثل ما في التوراة عن صفات الأعضاء وصفات المعاني . فعن صفات الأعضاء يقول عيسى - عليه السلام - : « لا تحلفوا البتة . لا بالسماء لأنها كرسي اللّه . ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه » [ متى 5 : 34 - 35 ] فظاهر النص يدل على أن اللّه تعالى يجلس على كرسي في السماء ، وأن قدميه على الأرض . والجلوس يستلزم الجسمية والقدمان من صفات الأعضاء . وعن صفات المعاني نجد آيات كثيرة تصف اللّه تعالى كما وصفته التوراة بالقدرة والإرادة . . الخ ومن ذلك قول عيسى - عليه السلام - للّه عزّ وجلّ أنه أعطاه سلطانا على كل جسد ليعطى حياة أبدية لكل من يريد اللّه إعطاءه : « وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفونك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته أنا مجدتك على الأرض » [ يوحنا 17 : 2 - 4 ] فاعتراف عيسى - عليه السلام - أن اللّه تعالى قد أعطاه سلطانا يدل على أنه قادر واعترافه بأنه مجد اللّه وعظمه يدل على أن اللّه متصف بكل كمال ومنزه عن كل نقص . 3 - وفي القرآن الكريم عن صفات الأعضاء : « يد اللّه فوق أيديهم » [ الفتح 10 ] وعن صفات المعاني : أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ . فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [ النمل 51 ] ففي هذا النص إثبات كامل القدرة وأنه عادل وأنه يعلم ذلك ويشهد على ما حدث منه العالمون بحقائق التاريخ . والقارئ للتوراة وللإنجيل والقرآن يجد آيات تدل على أن اللّه تعالى « ليس كمثله شيء » ومعنى أنه « ليس كمثله شيء » أنه ليس جسما . لأن إثبات الجسمية للّه تعالى يستلزم الحجم والصورة على حسب التصورات والتخيلات . وإذا تصورنا وتخيلنا على حسب عقولنا سنتصور اللّه تعالى ونتخيله بما نشاهده في الحياة من مخلوقات خلقها هو . ولأنه تعالى منع من التشبيه إذن لا يكون جسما . وإذا نفينا الجسمية ننفي الأعضاء من اليد والرجل وغيرهما . وكيف ننفي وقد جاء في الكتب آيات يدل ظاهرها على إثبات الأعضاء ؟ والإجابة على هذا السؤال : إن التوراة قد نصت على أنه تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وذلك قوله في الأصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية : « ليس مثل اللّه » [ تث 33 : 26 ] وكذلك نص القرآن الكريم في قوله تعالى : « ليس كمثله شيء » [ الشورى 11 ] والعبارات التي تنفي التشبيه هي آيات محكمة ، أي لها تفسير واحد واضح . وآيات الأعضاء آيات متشابهة أي لها تفسيرين . فاليد تفسير باليد الجارحة وهي تستلزم الجسمية - واليد أيضا تفسر بالقدرة - والقدرة صفة معنى - فأي التفسيرين يتفق مع الحكم ؟ هل اليد الجارحة أم صفة القدرة ؟ بالتأكيد هي صفة القدرة . لأن اليد الجارحة تشبه وتمثل بأي مخلوق كان ، والنص النافي للتمثيل يمنع من ذلك . وعلى ذلك فمراد اللّه تعالى من صفات أعضائه هو التأويل إلى صفات معاني ، فاليد تؤول بالقدرة ، والاستواء بالقهر والغلبة وهكذا . ولما ذا عبر اللّه تعالى بصفات الأعضاء عن نفسه وهو لا يريدها ؟ وهذا سؤال قد أجاب عنه